كتب: محمد خليل
تبدأ الحكاية بلمسة إصبع عفوية على شاشة زجاجية باردة، لكنها قد تنتهي بجدران غير مرئية تفصل الإنسان عن محيطه الحيوي، حيث يكشف التحليل الاستقصائي المتعمق لظاهرة الإدمان الإلكتروني أن القضية تتجاوز بكثير مجرد قضاء وقت طويل في تصفح المواقع أو استخدام التطبيقات، لتصل إلى ما يمكن وصفه بـ"الهروب من الواقع" أو التخدير الرقمي المتعمد الذي يمارسه الفرد ضد ذاته. ومن هذا المنطلق، ينزلق كثير من المستخدمين في المجتمعات المعاصرة نحو هذا النوع من الإدمان السلوكي، وهو مصطلح علمي يقصد به الارتهان لفعل معين وتكراره بصورة قهرية لدرجة تؤثر سلباً في حياة الفرد وعلاقاته ووظائفه اليومية، بدلاً من الارتهان التقليدي لمواد كيميائية أو مخدرة.
ولا يقتصر هذا الهروب على الجانب النظري أو التفسيرات النفسية المجردة، بل تؤكده تجارب واقعية لأشخاص خاضوا التجربة بأنفسهم. ففي حديثه عن تجربته مع المراهنات الإلكترونية، كشف الشاب سيد أن انجذابه لم يبدأ بحثاً عن القمار أو المغامرة، وإنما بدأ بوهم تحقيق الثراء السريع والوصول إلى النجاح بأقل قدر من الجهد، موضحاً أن ما أغراه في البداية هو رؤيته لأشخاص يحققون أرباحاً تبدو سهلة وسريعة. ويعكس هذا النموذج أحد أخطر أشكال التعويض النفسي، حيث يتحول العالم الرقمي إلى مساحة بديلة تمنح الفرد شعوراً مؤقتاً بالإنجاز والسيطرة، بينما تتراجع قدرته على مواجهة التحديات الحقيقية في حياته الواقعية.
وبالنظر المجهري إلى الدوافع العميقة التي تجعل الإنسان يختار العيش خلف الزجاج، يبرز "فخ الدوبامين" بوصفه أحد أهم المحركات البيولوجية التي تجعل الهروب من الواقع أمراً يتجاوز أحياناً حدود الإرادة الفردية. والدوبامين هو ناقل عصبي يفرزه الدماغ عند الشعور بالمكافأة أو المتعة، ويعمل على تعزيز السلوك الذي أدى إلى هذا الشعور.
وفي هذا السياق، أوضحت الدكتورة نجلاء رسلان، أستاذة الصحة النفسية بكلية التربية للبنات بجامعة الأزهر، أن الإنسان بطبيعته يتجه إلى السلوكيات التي تمنحه شعوراً بالسعادة والرضا، إلا أن البيئة الرقمية الحديثة نقلت مصادر المكافأة من إطارها الطبيعي المرتبط بالعلاقات الإنسانية والإنجاز الواقعي إلى إطار افتراضي قائم على الإشعارات والإعجابات والتفاعل المستمر.
وأضافت أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا نفسها، وإنما في تحول السلوك الرقمي إلى مصدر رئيسي للمكافأة النفسية، حيث أصبحت التطبيقات والمنصات قادرة على تحفيز إفراز الدوبامين بصورة متكررة وسريعة، الأمر الذي يدفع المستخدم إلى التعلق بها والعودة إليها باستمرار بحثاً عن الشعور نفسه، وتتعمد شركات التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي استغلال هذه الثغرة البيولوجية من خلال ما يعرف باستراتيجية "المكافآت المتغيرة"، وهي آلية تشبه إلى حد بعيد ما يحدث في ألعاب القمار، إذ لا يعرف المستخدم متى سيحصل على الإعجاب القادم أو الرسالة المنتظرة أو المحتوى الأكثر إثارة، مما يبقيه في حالة ترقب دائم ويجعل الحياة الواقعية تبدو أقل جاذبية مقارنة بزخم العالم الرقمي.
وفي سياق متصل، يتطور هذا الهروب من كونه سلوكاً عارضاً إلى حالة أكثر تعقيداً تعرف باسم "التحمل الرقمي"، وهو مفهوم يشير إلى حاجة المستخدم لقضاء فترات أطول أمام الشاشة للحصول على مستوى المتعة أو الراحة النفسية نفسه الذي كان يحصل عليه سابقاً في وقت أقل. وهنا تبدأ ملامح العزلة الوجدانية في الظهور تدريجياً، حيث يصبح الفرد حاضراً بجسده وغائباً بعقله ومشاعره.
وتجسد تجربة سيد هذا المفهوم بصورة واضحة، إذ أكد أن يومه لم يعد ملكاً له بعد الانغماس في المراهنات الإلكترونية، قائلاً إن اللعبة أصبحت أول ما يفعله عند الاستيقاظ وآخر ما يفعله قبل النوم، بينما استحوذت أفكار الربح والخسارة على معظم ساعات يومه، ويعكس هذا السلوك أحد المؤشرات الجوهرية للإدمان السلوكي، حيث تتراجع أهمية الأنشطة الأخرى لصالح النشاط الإدماني الذي يحتل مركز الاهتمام الأول في حياة الفرد.
ومع استمرار هذا النمط، تبدأ الأعراض الانسحابية في الظهور عند محاولة الابتعاد عن الشاشة أو تقليل الاستخدام، وهي حالة من التوتر والضيق وسرعة الانفعال واضطراب المزاج تشبه في كثير من جوانبها الأعراض المرتبطة بأنواع أخرى من الإدمان، وبذلك يتحول الهروب الرقمي تدريجياً من خيار شخصي إلى حالة من فقدان السيطرة تجعل الفرد أسيراً لسلوك يعي أضراره لكنه يجد صعوبة متزايدة في التوقف عنه.
وبالانتقال إلى دراسة الآثار المترتبة على هذا الانغماس، نجد أن الهروب إلى الشاشات يؤدي إلى تآكل تدريجي في القدرات المعرفية والذهنية، خاصة فيما يتعلق بالتركيز العميق والتحليل المنطقي وحل المشكلات،وقد أشارت الدكتورة نجلاء رسلان إلى أن الاستخدام المفرط للتكنولوجيا أسهم في زيادة ظاهرة تشتت الانتباه، حيث بات الإنسان يتعرض بشكل مستمر لسيل من الإشعارات والمثيرات السريعة التي تقطع تركيزه وتمنعه من ممارسة عمليات التفكير المعمق أو التأمل أو التحليل الممتد.
كما أوضحت أن الاعتماد المفرط على الوسائل الرقمية في أداء المهام اليومية أدى إلى تراجع بعض القدرات العقلية المرتبطة بالتذكر والاحتفاظ بالمعلومات، نظراً لاعتماد الأفراد بصورة متزايدة على الأجهزة والتطبيقات في أداء وظائف كان العقل يقوم بها بصورة طبيعية في السابق.
ولا تتوقف التداعيات عند الجانب النفسي والمعرفي، بل تمتد إلى الصحة الجسدية أيضاً. فالدراسات العلمية تشير إلى أن التعرض المستمر للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات يؤدي إلى اضطراب الساعة البيولوجية للجسم ويؤثر في إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم النوم، وهو ما ينتج عنه الأرق والإجهاد المزمن وتراجع جودة الحياة الصحية بصورة عامة.
علاوة على ذلك، يكشف التحقيق عن وجه آخر للهروب الرقمي يتعلق بما يعرف بـ"الهوية الافتراضية"، فالعالم الرقمي يمنح الأفراد القدرة على رسم صورة مثالية لأنفسهم قد تختلف كثيراً عن واقعهم الحقيقي، الأمر الذي يخلق فجوة نفسية متزايدة بين الذات الحقيقية والذات المعروضة على المنصات الرقمية.
وفي هذا الإطار، أشارت الدكتورة نجلاء رسلان إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في ظهور أنماط جديدة من الهوية الافتراضية، حيث بات بعض الأفراد يقدمون أنفسهم بالطريقة التي يريدون أن يراهم بها الآخرون، لا بالطريقة التي يعبرون بها عن حقيقتهم الفعلية. وترى أن هذا التباين بين الواقع والصورة الرقمية قد يدفع بعض المستخدمين إلى مزيد من التعلق بالعالم الافتراضي باعتباره مساحة أكثر راحة وأقل تعقيداً من الواقع ،ومن هنا يصبح الإنترنت وسيلة للتجنب المرضي للمشكلات الحياتية بدلاً من أن يكون أداة للمساعدة على حلها، وهو ما يفسر لجوء كثير من الشباب إلى الألعاب الإلكترونية أو منصات التواصل خلال فترات الضغوط الدراسية أو الأزمات الأسرية أو الإخفاقات الشخصية، اعتقاداً منهم أن الابتعاد المؤقت عن الواقع سيخفف من وطأة هذه المشكلات، بينما تتراكم في الحقيقة دون حلول حقيقية.
وعلى المستوى الاجتماعي، أدى هذا الانغماس المتزايد في العالم الرقمي إلى ظهور ما يمكن تسميته بـ"البيوت الصامتة"، حيث يجتمع أفراد الأسرة في مكان واحد بينما يعيش كل منهم في عالمه الخاص خلف شاشة هاتفه. وقد انعكس ذلك على جودة العلاقات الإنسانية ومهارات التواصل المباشر، وأضعف كثيراً من مظاهر التفاعل الاجتماعي التقليدي.
وتؤكد تجربة سيد هذا التحول؛ إذ أوضح أن علاقته بأسرته تضررت بصورة ملحوظة خلال فترة الإدمان، حيث أصبح يقضي معظم وقته بمفرده داخل غرفته، وفقد تدريجياً رغبته في الجلوس مع أفراد أسرته أو المشاركة في الأنشطة الاجتماعية المعتادة،ويتفق ذلك مع ما أشارت إليه الدكتورة نجلاء رسلان من أن العلاقات الرقمية لا تستطيع أن تعوض بالكامل عناصر التواصل الإنساني المباشر، مثل التفاعل الوجداني الحقيقي ولغة الجسد والتعاطف الفوري، وهي عناصر أساسية في بناء الروابط الاجتماعية الصحية.
كما ترى أن استبدال العلاقات الواقعية بالعلاقات الافتراضية يؤدي إلى تراجع المهارات الاجتماعية ويضعف قدرة الفرد على التعامل مع المواقف الحياتية المباشرة، مما يدفعه إلى مزيد من الانسحاب نحو العالم الرقمي، لتكتمل بذلك دائرة الإدمان المغلقة،ولمواجهة هذا التغلغل المتزايد واستعادة السيطرة على الذات، تبرز الحاجة إلى تبني استراتيجيات علاجية وتوعوية متكاملة، في مقدمتها العلاج المعرفي السلوكي الذي يهدف إلى إعادة تشكيل علاقة الفرد بالتكنولوجيا، وتحويلها من ملاذ نفسي دائم إلى أداة وظيفية محددة الاستخدام. ويتحقق ذلك من خلال تنظيم أوقات الاستخدام، وممارسة الأنشطة الواقعية، وتعزيز الروابط الأسرية والاجتماعية، وتنمية المهارات الشخصية التي تساعد الفرد على مواجهة الضغوط بدلاً من الهروب منها.
وفي هذا السياق، شددت الدكتورة نجلاء رسلان على أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود التكنولوجيا، بل في فقدان السيطرة على استخدامها، مؤكدة أن المؤشر الأساسي للاستخدام الصحي يتمثل في قدرة الإنسان على التوقف متى أراد، وأن تظل التكنولوجيا أداة في خدمته لا قوة تتحكم في سلوكه ووقته واهتماماته.
ومن جانبه، وجه سيد رسالة تحذيرية للشباب دعاهم فيها إلى عدم الانخداع بأوهام الربح السريع أو المكاسب السهلة التي تروج لها بعض المنصات الرقمية، مؤكداً أن التجربة أثبتت له أن الطريق المختصر غالباً ما يحمل في نهايته خسائر أكبر مما يبدو في بدايته من مكاسب.
وفي الختام، يبقى الوعي بطبيعة هذه الظاهرة هو خط الدفاع الأول في مواجهتها؛ فالشاشات ليست عدواً للإنسان، كما أنها ليست بديلاً عن الحياة. إنها مجرد أدوات تقنية يمكن أن تسهم في التعلم والتواصل والإنتاج إذا أحسن استخدامها، لكنها قد تتحول إلى زنزانة رقمية مغلقة حين تصبح ملاذاً دائماً للهروب من الواقع. وبين الاستخدام الواعي والإدمان الخفي يقف الإنسان وحده أمام سؤال جوهري: هل يستخدم التكنولوجيا لخدمة حياته، أم يسمح لها بأن تعيد تشكيل حياته على
التعليقات
رأيُك يُنشر باسمٍ تختاره أنت — بلا تسجيلٍ ولا بريد.