حوار محمود صابر
في ظل الانتشار المتزايد للألعاب الإلكترونية ومنصات المراهنات الرقمية، أصبحت هذه الظاهرة واحدة من القضايا التي تستحق التوقف أمامها، خاصة مع تزايد أعداد الشباب الذين يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات بحثًا عن المتعة أو الربح السريع، قبل أن يجد بعضهم أنفسهم عالقين في دوامة من الخسائر المادية والنفسية والاجتماعية،وتعد المراهنات الإلكترونية أحد الظواهر الجديدة التي ظهرت مؤخرا والتي تعتبر شكل من أشكال الإدمان الرقمي، لما تمثله من نموذج واضح للإدمان السلوكي القائم على المكافأة الفورية والوهم المستمر بالربح.
وفي هذا السياق، أجرينا حوارًا مع الشاب «سيد عبد الحكيم سليمان» أحد شباب مركز ومدينة الباجور محافظة المنوفية، والذي خاض بنفسه تجربة المراهنات الإلكترونية، ليروي تفاصيل رحلته منذ البداية، وكيف تحولت وسيلة تبدو مغرية لتحقيق المال إلى تجربة تركت آثارًا عميقة على حياته الشخصية والاجتماعية.
كيف بدأت رحلتك مع المراهنات الإلكترونية؟ ومتى تحولت من مجرد تسلية إلى خطر حقيقي؟
الأمر لم يبدأ باعتباره مراهنات أو قمارًا بالمعنى المعروف، بل بدأ بوهم تحقيق الأرباح السريعة، وأن كثيرًا من الشباب يبحثون عن طرق مختصرة للوصول إلى النجاح أو المال "المشكلة دائمًا تبدأ عندما يبحث الإنسان عن الطريقالأسرع" أي طريق يعدك بمكاسب كبيرة وسريعة يكون مغريًا للغاية، لكنه غالبًا ما يخفي وراءه مخاطر كبيرة".
أول تجربة لي على تطبيقات المراهنات كانت من خلال أحد أصدقائي الذي عرض عليا أرباحًا حققها بالفعل عبر التطبيق، بل وقام بسحب جزء من الأموال أمامي لإثبات مصداقية الأمر.
عندما رأيت الأموال تُسحب أمامي اعتقدت أن الأمر سهل جدًا،كنت أفكر أنني سأحقق أرباحًا كبيرة وأنا جالس في المنزل دون الحاجة إلى العمل لساعات طويلة، ولذلك بدا الأمر مغريًا للغاية".
كيف أقنعك صديقك بالدخول إلى التجربة؟
صديقي أنشأ لي حسابًا على التطبيق ووضع لي مبلغًا ماليًا كبداية، لأني كنت مترددًا في استثمار أموالي الخاصة.
"في البداية لم أكن أثق في الأمر بالكامل، لذلك وضع لي صديقي مبلغًا من المال وقال لي: إذا ربحت فأعد لي أموالي فقط، وبالفعل حققت أرباحًا سريعة تضاعفت عدة مرات، وهو ما جعلني أقتنع أكثر بالتطبيق"، و أن هذه الأرباح الأولية كانت جزءًا من آلية جذب المستخدمين الجدد واستقطابهم للاستمرار داخل المنصة.
متى بدأت تدرك أن الأمر أخطر مما يبدو؟
كانت أول إشارة تحذيرية ظهرت عندما تعرض صديقي لخسارة كبيرة بعد فترة من المكاسب المتتالية، بعد نحو شهر من الأرباح المستمرة فوجئت بصديقي يخبرني أنه خسر كل ما يملكه، بل واضطر إلى الاستدانة لتعويض خسائره. وقتها كان من المفترض أن أتوقف وأعيد التفكير، لكنني للأسف لم أفعل ، لأن الطمع لعب دورًا كبيرًا في استمرار التجربة، حيث كنت أتعتقد أن ما حدث لصديقي مجرد خطأ فردي يمكن تجنبه.
لماذا لم تتوقف بعد رؤية هذه الخسارة؟
بدلًا من أن أفكر في إنقاذ نفسي وإنقاذه، فكرت بطريقة مختلفة تمامًا،كنت أريد مساعدته على تعويض خسائره حتى نعود معًا لتحقيق الأرباح مرة أخرى ،لم أدرك وقتها أن المشكلة أكبر من ذلك بكثير".
كيف أثرت المراهنات الإلكترونية على حياتك اليومية؟
المراهنات سيطرت تدريجيًا على تفاصيل يومي بالكامل ،لم يعد اليوم ملكي، كنت أستيقظ وأفكر في اللعبة، وأقضي ساعات طويلة أمامها، وأبحث باستمرار عن فرصة جديدة للربح، أصبحت أول شيء أفعله صباحًا وآخر شيء أفعله قبل النوم"
وكان التفكير المستمر في المكسب والخسارة جعلني منشغلًا طوال الوقت حتى أثناء الجلوس مع أصدقائي أو ممارسة أنشطتي اليومية.
متى فقدت السيطرة على قراراتك المالية؟
نقطة التحول الحقيقية جاءت بعد خسارة الأموال التي حققتها من التطبيق، ثم لجئت إلى الاستدانة لتعويض الخسائر،عندما بدأت أستدين من أجل تعويض ما خسرته أدركت لاحقًا أنني فقدت السيطرة تمامًا،لم تعد قراراتي المالية عقلانية، بل أصبحت مرتبطة بالرغبة في استعادة الأموال المفقودة بأي طريقة .
هل تأثرت علاقتك بأسرتك وأصدقائك؟
الإدمان أثر بشكل مباشر على علاقاتي الاجتماعية والأسرية،لم يعد لدي وقت حقيقي أقضيه مع أسرتي ،كنت أفضل البقاء بمفردي داخل غرفتي، وأصبحت أقل تواصلًا مع أفراد العائلة والأصدقاء اهتمامي كان منصبًا على اللعبة وما يحدث داخلها، المراهنات الإلكترونية لا تختلف عن الإدمان التقليدي، بل قد تكون أكثر خطورة بسبب تأثيرها الممتد على المحيطين بالشخص وليس عليه وحده.
بصفتك شخصًا خاض التجربة ونجا منها.. ما الرسالة التي توجهها للشباب؟
أنصح كل شاب وفتاة بالابتعاد تمامًا عن المراهنات الإلكترونية، أتحدث من واقع تجربة شخصية عشت تفاصيلها بنفسي.
أي مكسب سريع يبدو سهلًا ومغريًا قد يكون خلفه ثمن باهظ، النجاح الحقيقي لا يتحقق عبر الطرق المختصرة، وإنما من خلال العمل والاجتهاد والسعي المشروع.
يمكن لأي شخص أن يحقق النجاح المادي بطرق مشروعة، سواء من خلال العمل أو التجارة أو تطوير المهارات الشخصية،المال الذي يأتي من طريق صحيح يكون مصحوبًا بالبركة والاستقرار".
ماذا عن دور منصات المراهنات نفسها؟
هذه المنصات مصممة في الأساس لتحقيق مصالحها الخاصة وجذب أكبر عدد ممكن من المستخدمين، كثيرًا من المنصات حققت أرباحًا هائلة من أموال المستخدمين، بينما كان الخاسر الأكبر هو الأشخاص الذين اندفعوا وراء حلم الثراء السريع ، بعض المنصات أغلقت فجأة بعد جمع مبالغ ضخمة من المستخدمين، تاركة وراءها آلاف المتضررين.
التعليقات
رأيُك يُنشر باسمٍ تختاره أنت — بلا تسجيلٍ ولا بريد.