الإدمان الرقمي.. من أداة للتواصل إلى سجن افتراضي!
تكمن خطورة الإدمان الرقمي، إذ لا يعتمد على مادة مخدرة بالمعنى التقليدي، بل يقوم على التعلق النفسي والسلوكي بالتكنولوجيا وما تمنحه من إشباع فوري ومتكرر.
لونُ الواجهة
↑↓ تنقّل Enter فتح بحثٌ موسّع
تحليلٌ ورأيٌ مُسنَدٌ إلى علم الأعصاب وعلم النفس المعرفي.
4 مادّةً منشورة
تكمن خطورة الإدمان الرقمي، إذ لا يعتمد على مادة مخدرة بالمعنى التقليدي، بل يقوم على التعلق النفسي والسلوكي بالتكنولوجيا وما تمنحه من إشباع فوري ومتكرر.
وتُشكل هذه العادة السيئة المتمثلة في إدمان تلك الألعاب خطرًا جسيمًا على الحالة النفسية والصحية للطفل، من إصابة بالسمنة الناتجة عن قلة الحركة، والتأثير على الحالة المزاجية للطفل؛ نتيجة السهر وعدم النوم الكافي، فضلًا عن جعل سلوك الطفل عنيفًا مع الآخرين نتيجة مشاهدته ألعابًا تحتوي على مشاهد العنف والضرب والقتل، أيضًا إضعاف النظر الناتج عن إجهاد العين من كثرة التركيز في الشاشات، هذا فضلًا عن التأخر الدراسي نتيجة قلة التركيز وتشتيت الانتباه، بالإضافة إلى الإصابة بالقلق والتوتر الزائد، الناتجين عن وجود ألعاب فيها منافسة قوية، خاصة إذا لم يصل فيها الطفل إلى مستوى معين، ولعل أخطر تلك الآفات التي يمكن أن تصيب الطفل، هي:العزلة وضعف التواصل الاجتماعي والأسري، حيث يبتعد الطفل عن أهله وأصدقائه ويحب أن يختلي بالجهاز فقط.
لكن العجيب أن الأم تحاول جاهدة أن تجعل وليدها في حالة من السكون وعدم البكاء شفقة به أولًا، وقضاء لحوائجها ومصالح بيتها ثانيًا، فتجرِّب معه كل الحيل الرحيمة؛ فقد لا يستجيب، ساعتها تقرر أن تعطيه جرعة من سم قاتل على المدى البعيد والقريب ألا وهو جهاز الموبايل! فترى الأم أن الابن قد سكن وصمت واندمج مع هذا الجهاز القاتل لطفولته المبكرة، فتعتاد هي أولا ويعتاد الطفل أنه لا يُسكته من ضجيجه وبكائه إلا جهاز الموبايل، فتجدها الأم حيلة سهلة سريعة في متناول يدها؛ فتعطيه الموبايل كلما ضجّ أو زنّ أو تحرك بعفوية الطفولة.
كما تتجسد خطورة الإدمان الرقمي في كونه يُحدث شرخاً غائراً في البنية العميقة للأسرة، محولاً إياها من محضنٍ دافئ للتفاعل إلى جزرٍ منعزلة تحت سقف واحد؛ حيث يقضي أكثر من ٩٢٪ من الأفراد وقتهم خلف الشاشات. ونتيجة لذلك سيطر "الاغتراب الرقمي " على المشهد، وغدت المنازل أشبه بـ "الفنادق" التي يسكنها أفراد يغلب عليهم النمط الفردي، مستبدلين الحوار الحي بأجهزة صماء أصبحت هي المستودع الحقيقي لأسرارهم مما استبدل الدفء العاطفي بالتعلق القهري بالأجهزة، وإلى ذبول الروابط العاطفية وتآكلها. ولم يتوقف الأمر عند العزلة أو الاغتراب الرقمي، بل امتد إلى تشويه الإدراك الذاتي عبر "تأثير الصورة المثالية" التي تروج لها المنصات بحياة مزيفة ومعدلة تقنيا، ما يزرع في نفوس الأبناء بذور الشعور بالنقص والدونية، ويوتر علاقتهم بذويهم نتيجة المقارنات القهرية مع نماذج وهمية لا وجود لها في الواقع. وأمام هذا الانسحاب الوالدي، تبرز "الإزاحة التربوية" كخطر داهم، حين تُترك الأجهزة لتلعب دور "البديل التربوي"، فتضيع القيم الأصيلة كالصدق والتعاون، لتفسح المجال لقيمٍ رقمية دخيلة تتمحور حول ثقافة الاستهلاك والعدوانية، مما يهدد بتفكك الأواصر التي قامت عليها الأسرة والمجتمع.