حوار: محمود وليد
تصوير:أحمد محمد
في عصرٍ أصبحت فيه التكنولوجيا جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية، لم يعد استخدام الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي مجرد رفاهية، بل تحول إلى ضرورة تفرضها طبيعة العمل والتواصل، غير أن هذا الاستخدام المتزايد يثير تساؤلات ملحّة حول حدوده الفاصلة بين الطبيعي والمُقلق، خاصة مع تزايد الحديث عن "إدمان الشاشات" وتأثيره على الصحة النفسية والاجتماعية.
في هذا الحوار، يوضح أ.م. د/ طارق الجلالي، أستاذ الصحة النفسية بكلية التربية – جامعة الأزهر، أبعاد هذه الظاهرة، وأسبابها، ومؤشراتها، وسبل التعامل معها.
هل أصبحنا بالفعل مدمنين شاشات، أم أن هذا الوصف يحمل شيئًا من المبالغة؟
في الواقع، لا يمكن اعتبار الأمر مبالغة، بل نحن بالفعل نعيش حالة من الاعتماد على الشاشات، ولكن بدرجات متفاوتة. نحن في عصر رقمي بامتياز، والتكنولوجيا أصبحت جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية.
غير أن مستوى الاستخدام يختلف من شخص لآخر، وفقًا لطبيعة عمله وظروفه، كما أن أساليب التنشئة الحديثة أسهمت في تعويد الأطفال على استخدام الأجهزة منذ سن مبكرة، مما قد يؤدي لاحقًا إلى نوع من الاعتماد عليها.
متى يمكننا القول إن استخدام الهاتف أصبح خطرًا؟
هناك ما يُعرف في علم النفس بـ"الاستخدام الإشكالي"، وهو يُقاس بعدة مؤشرات، من بينها:
زيادة عدد ساعات الاستخدام بشكل مفرط، وتأثيره السلبي على أداء الفرد في حياته اليومية.
نحن هنا نتحدث عن "الوظيفة التكيفية"، أي قدرة الإنسان على إدارة حياته بشكل متوازن. فإذا بدأ استخدام الهاتف يؤثر على العلاقات الأسرية، أو الأداء الوظيفي، أو التفاعل الاجتماعي، فهنا نكون أمام مشكلة حقيقية.
كثيرًا ما نسمع عن "الدوبامين" بوصفه هرمون السعادة، ما علاقته بهذا الموضوع؟
الدوبامين هو ناقل عصبي مسؤول عن الشعور بالسعادة والتحفيز. عند زيادة إفرازه، يشعر الإنسان بالنشاط والرضا، لكن المشكلة تكمن في الإفراط.
فعند تكرار سلوك معين — مثل تصفح مواقع التواصل — يزداد إفراز الدوبامين، مما يدفع الشخص لتكرار هذا السلوك بحثًا عن نفس الشعور، وقد يتحول ذلك إلى نوع من الإدمان.
هل تعتمد تطبيقات مثل "تيك توك" و"فيسبوك" و"إنستجرام" على هذا المبدأ؟
نعم، هذه التطبيقات مصممة بطريقة تحفّز إفراز الدوبامين، من خلال المحتوى السريع والتفاعلات المستمرة مثل الإعجابات والتعليقات، مما يجعل المستخدم يعود إليها بشكل متكرر.
هل يمكن القول إن الإشعارات والإعجابات تؤثر على الدماغ مثل المواد المخدرة؟
إلى حد كبير، نعم. فالإدمان في جوهره هو اعتماد نفسي، سواء على مادة أو سلوك.
عندما يصل الإنسان إلى مرحلة لا يستطيع فيها الاستغناء عن متابعة الإشعارات أو الإعجابات، ويشعر بالقلق عند غيابها، فإنه يكون قد دخل في دائرة الاعتماد النفسي، وهي قريبة في آلياتها من الإدمان التقليدي.
لماذا نجد أنفسنا أحيانًا نفتح الهاتف دون سبب واضح؟
هذا السلوك له عدة أسباب، منها الفراغ، أو محاولة الهروب من الضغوط اليومية، أو الاعتياد.
كما أن متابعة التفاعلات مثل "الإعجابات" و"التعليقات" تعزز هذا السلوك، فيتحول إلى عادة تلقائية يصعب التحكم فيها.
ما الفرق بين الاستخدام الطبيعي والإدمان الحقيقي؟
عدد الساعات ليس هو المعيار الوحيد. فقد تفرض طبيعة العمل استخدامًا مكثفًا للتكنولوجيا، وهذا لا يعني بالضرورة وجود إدمان.
المعيار الحقيقي هو: هل يؤثر هذا الاستخدام على حياة الفرد؟
فإذا بدأ يؤثر على العمل أو العلاقات الاجتماعية أو المسؤوليات اليومية، فهنا يظهر الخطر.
أما إذا ظل الاستخدام في إطار متطلبات العمل دون تأثير سلبي، فلا يُعد إدمانًا.
وهل يمكن أن يتحول الاستخدام المرتبط بالعمل إلى إدمان؟
نعم، إذا امتد تأثيره إلى باقي جوانب الحياة.
فعلى سبيل المثال، إذا أصبح الشخص غير قادر على الابتعاد عن الهاتف، أو يشعر بالقلق عند انخفاض شحنه، أو يتفقده باستمرار دون داعٍ، فهذه مؤشرات واضحة على الاعتماد الزائد.
هل يصل الإدمان الرقمي إلى نفس خطورة إدمان المخدرات نفسيًا؟
من الناحية النفسية، هناك تشابه كبير.
فكما أن هناك أعراضًا انسحابية في إدمان المخدرات، نجد أعراضًا مشابهة في الإدمان الرقمي، مثل القلق والتوتر عند التوقف عن الاستخدام،
وقد تظهر ردود فعل قوية، خاصة لدى الأطفال، عند منعهم من استخدام الأجهزة، وقد تتطور الحالة إلى اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب.
ما أبرز الأعراض النفسية المرتبطة بهذا النوع من الإدمان؟
من أهمها: القلق، وضعف التركيز، والتردد في اتخاذ القرارات، وتراجع الأداء الدراسي أو المهني.
وتظهر هذه الأعراض بوضوح لدى الأطفال والمراهقين، خاصة مع الاستخدام المفرط منذ سن مبكرة.
هل هناك علاقة بين الإدمان الرقمي والاكتئاب؟
نعم، هناك علاقة وثيقة. فكلما زاد الاستخدام المفرط، زادت احتمالات الإصابة بالقلق والاكتئاب.
وفي بعض الحالات، قد يصل الأمر إلى مشاعر اليأس وفقدان الأمل، نتيجة المقارنات المستمرة مع الآخرين عبر وسائل التواصل، وهو ما يؤدي إلى نتائج نفسية سلبية.
كيف يمكننا العودة إلى حياة طبيعية بعيدًا عن هذا التأثير؟
الحل يكمن في استعادة التوازن.
من المهم تعزيز التواصل الاجتماعي الحقيقي، وممارسة الرياضة، وتنظيم وقت استخدام الهاتف.
كما ينبغي ممارسة تقنيات الاسترخاء بشكل صحيح، والابتعاد عن الفهم الخاطئ لها.
والأهم هو العودة إلى التفاعل الإنساني المباشر، وعدم الاكتفاء بالعلاقات الافتراضية.
ما الرسالة التي تود توجهها للشباب؟
رسالتي هي الاعتدال.
التكنولوجيا ليست عدوًا، لكنها سلاح ذو حدين.
ديننا يدعوا إلى الوسطية فاستخدموها بوعي، ونظموا وقتكم، واحرصوا على ألا تطغى على حياتكم الواقعية،
فالحياة الحقيقية لا تُعاش خلف الشاشات فقط، بل في التفاعل المباشر مع الآخرين، وفي التجارب الواقعية التي تصنع التوازن النفسي والاجتماعي.
في النهاية يبقى التحدي الأكبر في عصرنا الحالي هو تحقيق التوازن بين متطلبات الحياة الرقمية واحتياجات الإنسان النفسية والاجتماعية. فبين الاستخدام الواعي والإدمان الخفي، مساحة دقيقة تتطلب إدراكًا ووعيًا مستمرين، حتى لا تتحول الوسائل التي صُممت لخدمتنا إلى أدوات تتحكم فينا.




التعليقات
رأيُك يُنشر باسمٍ تختاره أنت — بلا تسجيلٍ ولا بريد.