كتب محمد خليل
في قلب الحرم الجامعي، وبينما تزدحم الممرات بمئات الطلاب، يسود صمتٌ من نوع خاص؛ صمتٌ تفرضه الشاشات الزرقاء التي استحوذت على العيون والعقول، حيث تشير الدراسة العلمية الرصينة التي أعدتها الدكتورة أماني محمد السيد من جامعة المنوفية، إلى مفارقة مأساوية نعيشها اليوم، وهي أننا كلما زاد اتصالنا الرقمي بالعالم، زاد شعورنا بالانفصال عن أنفسنا وعن واقعنا الحقيقي.
الفضاء السيبراني وسجون الهوية
ومن هذا المنطلق، يسلط هذا التقرير الضوء على ظاهرة "الاغتراب النفسي" وعلاقتها الوطيدة بإدمان مواقع التواصل الاجتماعي، وهي علاقة طردية كشفت عنها الأرقام بوضوح، مؤكدة أن الانغماس في الفضاء السيبراني لم يعد مجرد وسيلة للتسلية، بل أصبح "قضبانًا" غير مرئية تسجن هوية الطالب الجامعي.
الاغتراب النفسي.. الشعور بالغربة عن الذات
وبدايةً، لا بد من تبسيط مفهوم "الاغتراب النفسي" للقارئ، فهو ليس مجرد شعور عابر بالوحدة، بل هو حالة معقدة يشعر فيها الفرد بأنه "غريب" عن مجتمعه أو حتى عن ذاته، حيث ينقسم هذا المفهوم في الدراسة إلى أبعاد عدة، أولها "العجز"، وهو شعور الطالب بأن التكنولوجيا هي التي تسيطر عليه وتوجه قراراته وليس العكس.
فقدان المعنى والعزلة الاجتماعية
وعلاوة على ذلك، يبرز بعد "فقدان المعنى"، حيث تصبح القيم والمبادئ الواقعية باهتة أمام زخم الصور والمظاهر الخادعة على المنصات الرقمية، مما يؤدي في النهاية إلى "العزلة الاجتماعية"، وهي الحالة التي يمتلك فيها الطالب آلاف الأصدقاء الافتراضيين، بينما يعجز عن إجراء حوار حقيقي ودافئ مع زميله الجالس بجانبه.
اللامعيارية وفوضى القيم
وفي سياق متصل، توغلت الدراسة في تحليل مفهوم "اللامعاييرية" أو فقدان المعايير، وهي حالة من التخبط القيمي تصيب الطالب حينما يجد نفسه غارقاً في بحر من الثقافات المتناقضة التي تطرحها مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتم تمييع الحدود بين الصواب والخطأ، وبين الخصوصية والمشاعية.
التريند وصناعة الانتماء الهش
وبناءً عليه، يجد الطالب الجامعي نفسه في مواجهة معايير مجتمعية يراها "قديمة" أو "غير مواكبة"، وفي المقابل يتبنى معايير افتراضية هشة تتغير بتغير "التريند"، مما يعمق لديه حالة الاغتراب عن جذوره الثقافية والاجتماعية، ويجعله يعيش في فجوة قيمية تزيد من شعوره بالضياع وعدم الانتماء لأي نسق فكري مستقر.
الغربة عن الذات خلف الفلاتر
وعلى صعيد التحليل النفسي العميق، ركزت الباحثة على بعد "الغربة عن الذات" كأحد أخطر نواتج الإدمان الإلكتروني، حيث يقضي الطالب ساعات طوال في صياغة نسخة مثالية من نفسه للمتابعين، مستخدماً الفلاتر والكلمات المنتقاة بعناية لإخفاء عثراته الواقعية، وهذا "الانشطار في الشخصية" يؤدي بالضرورة إلى شعوره بالنفور من ذاته الحقيقية البسيطة.
الإعجابات الرقمية والقلق النفسي
ومن هنا، يتحول الفضاء الرقمي من وسيلة للتعبير عن النفس إلى وسيلة لهروب الإنسان من "أناه" الواقعية، وهو ما يفسر حالات القلق والتوتر التي تصيب الشباب عند غياب التفاعل مع ما ينشرونه، لأن قيمتهم الذاتية أصبحت مرتبطة بتقدير الآخرين الافتراضيين لا بتقديرهم هم لأنفسهم.
الأرقام تكشف الحقيقة
وفي جانب إحصائي لافت، كشفت البيانات أن الارتباط بين الإدمان والاغتراب ليس مجرد مصادفة، بل هو ارتباط وثيق أكدته نتائج المعاملات الإحصائية (مثل معامل ارتباط بيرسون)، حيث أظهرت الأرقام أن الطلاب الأكثر استهلاكاً للمحتوى الرقمي هم الأقل انخراطاً في الأنشطة الطلابية والعمل التطوعي.
جيل متصل رقمياً ومنفصل إنسانياً
وبالإضافة إلى ذلك، تشير الدراسة إلى أن مرحلة الشباب الجامعي هي المرحلة التي تتشكل فيها الهوية، ولذا فإن الارتهان للشاشات في هذه الفترة تحديداً يهدد ببناء جيل يعاني من "الاغتراب البنيوي"، أي الجيل الذي يمتلك كل أدوات التواصل التقني لكنه يفتقر لأبسط أدوات التواصل الإنساني والوجداني، مما يجعله فريسة سهلة للأمراض النفسية الحديثة مثل "رهاب فوات الأشياء" (FOMO).
من الإبداع إلى الاستهلاك السلبي
وبالتعمق في النتائج، تبيّن أن هذا الاغتراب ليس مجرد أزمة فكرية، بل هو معضلة تؤثر على التحصيل العلمي والنمو النفسي السوي، حيث يتحول الطالب من كائن منتج ومبدع إلى مجرد "مستهلك سلبي" للمحتوى، فاقد للقدرة على المبادرة أو التأثير في محيطه الواقعي.
منطقة الراحة الافتراضية
ومن هذا المنطلق، كشفت المعالجات الإحصائية في الدراسة عن فروق دالة تعكس حجم الفجوة التي يخلفها الإدمان الإلكتروني في التوازن النفسي للطالب، حيث أظهرت البيانات أن الطلاب المدمنين للمواقع الاجتماعية يعانون من مستويات عجز مرتفعة تمنعهم من اتخاذ قرارات مصيرية في حياتهم الأكاديمية، مفضلين البقاء في "منطقة الراحة" الافتراضية التي لا تتطلب مواجهة أو مسؤولية.
الوعي النفسي كطريق للنجاة
وبناءً على هذه المعطيات، يبرز التساؤل الجوهري حول كيفية استعادة هؤلاء الشباب من "منفى الشاشات"؛ فالدراسة لا تدعو للمقاطعة التكنولوجية بقدر ما تدعو لـ "الوعي النفسي" بمخاطر الانزلاق خلف خوارزميات صُممت لتعزيز التبعية.
إعادة بناء الجسور الإنسانية
إن مواجهة الاغتراب النفسي تتطلب إعادة بناء جسور الثقة بين الطالب ومجتمعه الجامعي والأسري، وتنمية مهارات "الذكاء العاطفي" التي تمكنه من التمييز بين التواصل الرقمي العابر وبين الاتصال الإنساني العميق.
الحياة الحقيقية خارج الشاشة
وفي الختام، يظل الوعي بنتائج مثل هذه الدراسات هو الخطوة الأولى لكسر دائرة الإدمان، فالحياة الحقيقية بتفاصيلها البسيطة وصعوباتها الواقعية تبقى دائماً أكثر صدقاً وإشباعاً للروح من ألف "إعجاب" خلف شاشة صامتة، والاغتراب يبدأ حين ننسى أننا نحن من نملك التكنولوجيا، لا هي التي تملكنا.
التعليقات
رأيُك يُنشر باسمٍ تختاره أنت — بلا تسجيلٍ ولا بريد.