شعار دوبامين دوبامين وعي رقمي = عقل سليم
حوار

المهندس يحيى حسنين: لا توجد مؤامرة للإدمان الرقمي.. والوعي هو خط الدفاع الأول!

صُممت خاصية التمرير اللانهائي في الأساس لتحقيق هدفين رئيسيين؛ الأول اقتصادي، وهو إبقاء المستخدم داخل التطبيق لأطول فترة ممكنة لضمان تدفق مستمر للأرباح. أما الهدف الثاني فيدخل تحت مفهوم "إمكانية الوصول وسهولة الاستخدام" (Accessibility) في عالم البرمجة.

المهندس يحيى حسنين: لا توجد مؤامرة للإدمان الرقمي.. والوعي هو خط الدفاع الأول!

حوار محمود عصام

في عالمٍ باتت تحكمه الشاشات، وتحولت فيه الهواتف الذكية إلى جزء لا يتجزأ من جسد الإنسان المعاصر، يتردد سؤال جوهري في الأوساط النفسية والتقنية: هل نحن من نتحكم بالتكنولوجيا أم أن هناك عباقرة خلف الكواليس يبرمجون عقولنا على الإدمان؟

نفتح في هذا الحوار الصندوق الأسود لكواليس صناعة البرمجيات، لنكشف الغطاء عن آليات "هندسة الجذب" والمعضلات الأخلاقية التي تواجه المطورين داخل الشركات التقنية العملاقة. هل الأمر مجرد بيزنس يعتمد على وعي المستخدم، أم أنها فخاخ برمجية نقع فيها مرغمين؟ الإجابة توضحها السطور التالية مع خبير تكنولوجيا المعلومات، المهندس يحيى حسنين.

الاقتصاد الرقمي وهندسة الجذب

يتهم الكثير من المستخدمين تطبيقات التواصل الاجتماعي بأنها صممت خصيصاً لتسبب الإدمان، بصفتك خبيراً تكنولوجياً.. هل ترى في ذلك مؤامرة أم واقعاً حقيقياً؟

في الحقيقة، الأمر لا يتعلق بـ "مؤامرة"، بل هو نموذج عمل اقتصادي واضح؛ فأغلب هذه التطبيقات تُصمم في الأساس بهدف الربح المادي. ولتحقيق هذا الربح، تسعى الشركات بكل الطرق لضمان بقاء المستخدم داخل التطبيق لأطول فترة ممكنة. أما مسألة "الإدمان" فتعتمد بشكل كبير على وعي المستخدم ونضجه؛ فإذا كان الشخص يفتقر إلى الوعي الكافي بكيفية إدارة وقته كالأطفال والمراهقين مثلاً فقد ينتهي به الأمر بالفعل إلى قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات، وهو ما يؤدي في النهاية إلى الإدمان السلوكي. فالهدف الأول للشركات هو الربح، والوقوع في فخ الإدمان من عدمه يعتمد على وعي المستخدم أو غيابه.

ما الذي تفعله خاصية "التمرير اللانهائي" (Infinite Scroll) في عقل المستخدم تقنياً؟ ولماذا صممها المبرمجون كبديل لزر "الصفحة التالية"؟

صُممت خاصية التمرير اللانهائي في الأساس لتحقيق هدفين رئيسيين؛ الأول اقتصادي، وهو إبقاء المستخدم داخل التطبيق لأطول فترة ممكنة لضمان تدفق مستمر للأرباح. أما الهدف الثاني فيدخل تحت مفهوم "إمكانية الوصول وسهولة الاستخدام" (Accessibility) في عالم البرمجة. لقد استبدل المبرمجون زر "الصفحة التالية" بالتمرير المستمر لأن الزر التقليدي كان يعطي المستخدم "وقفة تذكرية" تجعله يتساءل عما إذا كان يريد الاستمرار أم التوقف، وهذا لا يجذب الانتباه. في المقابل، يمنح التمرير اللانهائي تجربة سلسة، وممتعة، وشبه تلقائية تمنع العقل من التوقف عن المتابعة. ومع ذلك، لم يختفِ زر "الصفحة التالية" تماماً؛ إذ ما زال مستخدماً في المواقع المقالية والمستندات الرسمية (Documentation) التي تتطلب قراءة واعية ومرتبة.

بالمنظور التقني، إذا قارنا بين تصميم تطبيقات التواصل الاجتماعي، وألعاب الفيديو، ومواقع المراهنات.. هل هناك عناصر تصميمية مشتركة تُستخدم عمداً لدفع المستخدم نحو الإدمان، أم أن لكل منها آليته الخاصة؟

العامل المشترك الأكبر والأهم بين هذه المجالات الثلاثة هو "هندسة الجذب" بهدف تحقيق الربح المادي؛ فكل هذه المنصات تُصمم برمجياً وبصرياً لتستحوذ على انتباه المستخدم وتمنحه تجربة استخدام مطلقة السهولة. ومع ذلك، تختلف الآليات جزئياً؛ فبينما تعتمد السوشيال ميديا على التمرير اللانهائي والمحتوى المتجدد، وتعتمد ألعاب الفيديو على نظام المكافآت والتحديات المستمرة، فإن مواقع المراهنات تعتمد على برمجيات تعزز الرغبة في الكسب السريع وبطرق غير مشروعة. لكن في النهاية، تلتقي هذه العوالم الثلاثة في نقطة واحدة: إنها تشكل خطراً حقيقياً وتسبب الإدمان تحديداً للأشخاص "غير الواعين" في التعامل مع التكنولوجيا.

ما وراء الكواليس.. كود المبرمج وسلوك المستخدم

هل صحيح أن ألوان الأزرار، وسرعة الاستجابة، وحتى أصوات الإشعارات تُختبر معملياً لضمان أقصى إفراز للدوبامين في دماغ المستخدم؟

من منظورنا كمبرمجين ومطورين، عملية "الاختبار" (Testing) تركز في الأساس على تحسين "إمكانية الوصول وسهولة الاستخدام" (Accessibility). هدفنا التقني هو التأكد من أن التطبيق يعمل بسلاسة ودون أخطاء؛ فلا ينقر المستخدم على زر لتغيير لون معين فيجده ينقله إلى صفحة أخرى بشكل غير متوقع. نحن نختبر لضمان استقرار التجربة وليس للتلاعب بالدماغ.

بناءً على ذلك، هل يمكننا القول إن كل من يقضي ساعات طويلة أمام هذه التطبيقات هو بالضرورة "مدمن رقمي"؟

بالتأكيد لا، فهناك خلط شائع في هذا الأمر. ثمة أشخاص يقضون ساعات طويلة على هذه المواقع والتطبيقات لأنها ببساطة "مصدر رزقهم"، مثل العاملين في مجالات التجارة الإلكترونية، التسويق الرقمي، وصناع المحتوى؛ فهؤلاء يمارسون عملاً موجهاً وهادفاً ولا يمكن تصنيفهم كمدمنين. في المقابل، يكمن الإدمان الحقيقي في الاستخدام "بلا هدف أو جدوى"؛ كأن يجلس الشخص لساعات يتصفح المحتوى (Scrolling) دون أي منفعة، هنا فقط نكون بصدد إدمان حقيقي يستنزف الوقت والطاقة دون مقابل.

المعضلة الأخلاقية والرقابة الرقمي

كيف تبدو المعضلة الأخلاقية داخل أروقة الشركات؟ وهل يملك مهندس البرمجيات القدرة على رفض تنفيذ ميزة برمجية صُممت بغرض الإدمان أم أن هذا سيؤدي إلى فصله؟

هذه المعضلة الأخلاقية واقعية جداً، وحسمها يعود لطبيعة شخصية المهندس والبيئة الإدارية للشركة. في كثير من الأحيان، يرفض مهندسو التكنولوجيا تنفيذ ميزات معينة إذا استشعروا أن هذه الخدمة ستضر بالمجتمع ولن تفيده، وهنا تتباين ردود أفعال الإدارة؛ فبعض المديرين يتفهمون هذا الموقف الأخلاقي ويحترمونه، ويقومون بنقل المهمة إلى مهندس آخر. في المقابل، هناك إدارات متشددة تصر على التنفيذ وتضع المهندس أمام خيارين: "التنفيذ أو الفصل". في هذا الموقف، تظهر معادن الأشخاص؛ فمن المهندسين من يتمسك بمبادئه الأخلاقية والدينية ويتقبل قرار الفصل، ومنهم من يضطر للتنفيذ مجبراً مكرهاً تحت وطأة الخوف من خسارة وظيفته ومصدر رزقه.

هل تعتقد أن مهنة هندسة البرمجيات بحاجة إلى وجود "قسم طبي أو مجلس مراجعة أخلاقية" قبل إطلاق التطبيقات، أم أن في ذلك تحميلاً للمهندسين فوق طاقتهم؟

مسألة الرقابة تعتمد في المقام الأول على "تخصص التطبيق"؛ فإذا كنا نتحدث عن تطبيقات ومواقع تقدم خدمات واستشارات طبية أو دوائية (مثل تطبيقات العيادات والصيدليات الرقمية)، فوجود قسم طبي متخصص ومراجعة دقيقة هو ضرورة قصوى لضمان سلامة المستخدمين وعدم إلحاق الضرر بهم. أما من الناحية التنظيمية العامة والقانونية، فالأمر يخضع لرقابة وسياسات الدول؛ فبمجرد إطلاق أي موقع أو تطبيق على شبكة الإنترنت (Onsite)، فإنه يصبح تحت طائلة القوانين المحلية، وإذا تبين أنه يخالف سياسة الدولة أو يسبب ضرراً للأمن المجتمعي، يتم حظره وحذفه من قِبل الجهات الحكومية المختصة فوراً. فالرقابة الطبية مطلوبة للتخصص، والرقابة القانونية قائمة بالفعل لحماية المجتمع.

الوعي هو خط الدفاع الأول

نخرج من هذا التحقيق الذي أجريناه مع المهندس يحيى حسنين بحقيقة ملموسة: التكنولوجيا في حد ذاتها ليست شريرة، والأكواد البرمجية ليست "مؤامرة شياطين"، بل هي أداة محايدة هُندست بذكاء شديد لخدمة نماذج اقتصادية تبحث عن الربح.

إن المعركة الحقيقية ضد الإدمان الرقمي لا تُحسم فقط داخل مكاتب المبرمجين ومعضلاتهم الأخلاقية، ولا في أروقة المحاكم وقوانين الحظر، بل تبدأ وتنتهي عند "وعي المستخدم". إن بناء نضج رقمي ومعرفة متى نضع هواتفنا جانباً هو السلاح الوحيد الذي يضمن ألا تتحول هذه الشاشات من نوافذ تخدم البشرية وتفتح آفاق الرزق، إلى فخاخ برمجية تستنزف أثمن ما نملك: وعينا ووقتنا.

التعليقات

رأيُك يُنشر باسمٍ تختاره أنت — بلا تسجيلٍ ولا بريد.

اقرأ أيضاً

موادُّ تشترك مع هذه في الموضوع أو القسم