سطوة الهواتف على الأجيال الجديدة
كتب: محمد خليل
في ظل انتشار الهواتف الذكية وتطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الحديث عن “إدمان” هذه الأجهزة محور نقاش لا يقتصر على الأسر فحسب، بل وصل إلى الحكومات والباحثين في شتى أنحاء العالم.
يتزايد التساؤل: هل يمكن اعتبار الاستخدام المكثف للهواتف لدى المراهقين خطراً يوازي مخاطر مواد مثل الكحول أو التبغ؟ وما الأضرار التي قد تنجم عن هذا النمط من الاستخدام؟ هذه التساؤلات دفعت الباحثين إلى دراسة الظاهرة بعين تحليلية أكثر عمقاً.
يثير موضوع ارتباط الشاشات باضطرابات التركيز لدى الطلاب جدلاً واسعاً، لا سيما فيما يتعلق بمدة الاستخدام وما إذا كان مجرد الوقت الطويل هو المسبب الحقيقي للتأثير السلبي.
تقول الدراسات إن المراهقين يقضون “ساعات عديدة” يومياً في تصفح التطبيقات مثل «تيك توك» و«إنستغرام»، وهو ما يعني في المقابل تقليص الوقت المخصص للنوم أو الانخراط في أنشطة اجتماعية وفكرية أخرى.
وفي دراسة أجرتها جمعية البحوث التعليمية الألمانية، قال نحو 30 في المائة من المراهقين إنهم يشعرون غالباً بالتعب صباحاً لأنهم ظلوا يستخدمون هواتفهم لفترة طويلة ليلاً، كما وجدت دراسة هولندية نُشرت في مجلة "كوميونيكيشن ريسيرش" عام 2021 أن 28 في المائة من المراهقين المشاركين قالوا إن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أساء إلى رفاههم النفسي، في حين أفاد 26 في المائة بتحسن في رفاههم.
في هذا السياق، تُعرِّف أستاذة علم نفس الشباب إيزابيل براندهورست “الاستخدام الإشكالي” بأنه سلوك يشبه نمط إدمان السلوك—وهو مصطلح يستخدم لوصف حالة يفقد فيها الفرد السيطرة على سلوكه، ويستمر في فعل شيء ما رغم إدراكه للعواقب السلبية.
يتصف هذا النمط بشعور دائم بالحاجة إلى العودة للشاشة، وقد يترافق مع مشكلات نفسية مثل انخفاض الرفاه النفسي أو اضطرابات النوم، من جهته، يشير أستاذ علم النفس التنموي سفين ليندبيرغ إلى أن العلاقة بين الاستخدام المكثف للشاشات والمشكلات النفسية ليست بسيطة أو موحدة للجميع، ففي حين تظهر تأثيرات واضحة لدى بعض الفئات الهشة أو التي تعاني أصلاً من قلق أو اكتئاب، فإن الغالبية من المراهقين لا يظهرون سلوكًا إشكالياً حاداً.
بمعنى آخر، لا يمكن القول بشكل مطلق أن كل من يستخدم الهاتف كثيراً سيصاب بآثار سلبية، بل تتحدد المخاطر بناءً على السياق الفردي وسلوك الاستخدام نفسه.
وفيما يتعلق بتحديد المقصود بـالاستخدام الإشكالي للشاشة، يوضح الخبراء أن الأمر لا يتعلق فقط بعدد الساعات، بل بكيفية استخدام الوقت، فالساعات الطويلة بحد ذاتها ليست مؤشراً حاسمًا ما لم تكن مصحوبة بسلوكيات تسبب توتراً أو انعزالاً أو تقليلًا ملحوظًا للأنشطة الحيوية الأخرى مثل النوم أو التفاعل الاجتماعي.
تتضح أهمية هذا التمييز عندما نعلم أن جزءًا من الدراسات التي أجريت في ألمانيا العام الماضي من قبل الباحثين في الطبي الجامعي هامبورج-إيبيندورف، وتشير إلى أن واحد من أصل أربعة مراهقين بين 10 و17 عاماً يستخدمون شبكات التواصل بأسلوب يصنفه الباحثون كاستخدام “إشكالي”، بينما تُقدر نسبة من يمكن وصفهم بأنهم يعتمدون على هذه الوسائط بشكل قريب من الإدمان بنحو 5 في المائة من المشاركين في الدراسة نفسها.
ولعل أحد أبرز جوانب هذا النقاش هو:" كيف يرى المراهقون أنفسهم هذه القضية؟ ومن الأكثر عرضة للخطر؟ "
قال ليندبرغ إن الأطفال والمراهقين الذين يعانون أصلاً من أعباء أو مشكلات أخرى هم الأكثر عرضة للخطر، فإذا كان الشخص يعاني القلق أو اضطراباً اكتئابياً، فإن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي قد يضخم هذه التأثيرات، وأضاف أن إحدى الفئات المعرضة للخطر هي الفتيات، لأن المقارنات الاجتماعية تلعب دوراً كبيراً، "هذا يعني أنه إذا كنت غير راض عن صورتك الذاتية، فمن المرجح أن تجعلني وسائل التواصل الاجتماعي أكثر تعاسة لأنني أقارن نفسي بالآخرين".
كما أعربت براندهورست عن قلقها إزاء الفتيات المراهقات، قائلة إن لديهن ميلاً أعلى قليلاً إلى الإدمان، لكنهن نادراً ما يظهرن في مراكز الاستشارة أو خدمات العلاج، وأضافت: "هناك في الواقع نجد فقط الذكور من لاعبي ألعاب الكمبيوتر، الذين يساقون عملياً إلى مراكز الاستشارة من قبل آبائهم".
وأشار ليندبرج إلى أن فئة أخرى معرضة للخطر هي ضحايا التنمر، وقال: "التنمر الإلكتروني على وسائل التواصل الاجتماعي وما شابه له تأثير أقوى بكثير، لأنني لا أتعرض للسخرية في ساحة المدرسة فقط، بل على مدار الساعة".
وتشير دراسة ألمانية شملت الشباب حول استخدام الإعلام الرقمي إلى أن أغلب المشاركين يعترفون بأنهم يقضون وقتاً على هواتفهم أكثر مما ينوون، وفي الوقت ذاته، يعبرون عن رغبتهم في قضاء وقت أطول بعيداً عن هذه الأجهزة، هذا يعكس نوعاً من الوعي الذاتي لدى الشباب حيال تأثير التكنولوجيا على حياتهم، لكنه أيضاً يبرز صعوبة التحكم الذاتي بالمعدل المطلوب دون أدوات أو دعم خارجي.
إضافة إلى ذلك، يذكر الباحثون أن تأثير الهواتف لا يقف عند حدود التأثير النفسي، بل يمكن أن يتسع ليشمل جوانب أخرى من التطور الاجتماعي والشخصي لدى المراهقين، خاصة عندما يلجأ البعض إلى المقارنة الاجتماعية المستمرة بما يشاركه الآخرون عبر المنصات الرقمية، هذه المقارنات قد تؤثر سلباً على تقدير الذات، خصوصاً لدى الفتيات، مما يعزز التأثيرات النفسية لتفاعل الشباب مع شاشاتهم.
في النهاية، لا يمكن إنكار أن الهواتف الذكية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياة الأجيال الجديدة، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق توازن يحفظ للطلاب تركيزهم وصحتهم النفسية دون عزلهم عن العالم الرقمي، فالمسألة ليست صراعاً بين الإنسان والتكنولوجيا، بل هي بحث مستمر عن معادلة تضمن أن تبقى التقنية في خدمة الإنسان، لا أن تتحول إلى عامل يشتت انتباهه ويؤثر في نموه.
التعليقات
رأيُك يُنشر باسمٍ تختاره أنت — بلا تسجيلٍ ولا بريد.