كتب: محمد خليل
في السنوات الأخيرة، لم تعد الشاشات مجرد وسيلة ترفيه عابرة في حياة الأطفال، بل تحولت إلى رفيق يومي يلازمهم لساعات طويلة.
الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية وألعاب الفيديو أصبحت جزءًا من الروتين المعتاد داخل البيوت، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا: ماذا يحدث لأطفالنا حين تتحول هذه الوسائل من أداة مساعدة إلى عادة يصعب الاستغناء عنها؟
تشير الملاحظات التربوية والصحية إلى أن الإفراط في استخدام الشاشات لا يمر دون أثر، بل ينعكس أولاً على الجانب النفسي للطفل، فالتعرض المستمر للمحتوى السريع والمتغير بشكل متلاحق يجعل الدماغ يعتاد على مستوى عالٍ من التحفيز، ما يضعف قدرته على التركيز في المهام البسيطة أو الطويلة مثل المذاكرة أو القراءة.
مع مرور الوقت، قد يظهر على بعض الأطفال تشتت واضح أو ملل سريع عند الابتعاد عن الأجهزة، ويرتبط ذلك بما يسميه المختصون “الاعتماد السلوكي”، وهو مصطلح يعني تعلق الطفل بنشاط معين لدرجة أنه يشعر بالضيق أو التوتر إذا مُنع منه، حتى وإن لم يكن هناك إدمان عضوي بالمعنى الطبي التقليدي.
ومن ناحية أخرى، يتأثر النوم بشكل مباشر بالاستخدام الليلي للأجهزة الإلكترونية، فالضوء الأزرق المنبعث من الشاشات يؤثر في إفراز هرمون يُعرف باس“الميلاتونين”،
وهو الهرمون المسؤول عن تنظيم دورة النوم والاستيقاظ في الجسم، وعندما يقل إفراز هذا الهرمون يجد الطفل صعوبة في الخلود إلى النوم، فيستيقظ مرهقًا في اليوم التالي، الأمر الذي ينعكس على نشاطه الدراسي وسلوكه العام.
وهكذا تتشكل حلقة مترابطة بين السهر أمام الشاشات وضعف التركيز في المدرسة،
ولا يتوقف الأمر عند الجانب النفسي، بل يمتد إلى التأثير الجسدي أيضًا، فالجلوس لفترات طويلة في وضعيات غير صحية يؤدي إلى إجهاد عضلات الرقبة والظهر، كما أن قلة الحركة تقلل من النشاط البدني الضروري لنمو العظام والعضلات بشكل سليم.
ومع تراجع النشاط الحركي وزيادة الجلوس، ترتفع احتمالات زيادة الوزن لدى بعض الأطفال، كذلك قد يسبب التحديق المستمر في الشاشة ما يُعرف بإجهاد العين الرقمي، وهو حالة يشعر فيها الطفل بصداع أو حرقان في العين نتيجة الاستخدام المطول دون فترات راحة.
إلى جانب ذلك، تظهر انعكاسات اجتماعية لا تقل أهمية، فحين يقضي الطفل معظم وقته في عالم افتراضي، تقل فرص التفاعل المباشر مع الأسرة والأصدقاء، وهو ما قد يحد من تطور مهارات التواصل لديه، فالمحادثات الواقعية، وتعبيرات الوجه، ولغة الجسد، كلها عناصر لا يمكن أن تعوضها الرسائل النصية أو الألعاب الإلكترونية.
ومع الوقت، قد يفضل بعض الأطفال العزلة الرقمية على المشاركة الاجتماعية الفعلية،
كل هذه المؤشرات لا تعني أن التكنولوجيا في ذاتها خطر مطلق، بل تعني أن طريقة الاستخدام هي العامل الحاسم. فالشاشات يمكن أن تكون وسيلة تعليم فعالة ومصدرًا للمعرفة، غير أن غياب التنظيم والرقابة يحولها إلى عامل ضغط نفسي وجسدي.
ومن هنا، يؤكد المتخصصون أن الحل لا يكمن في المنع الكامل، وإنما في تحقيق توازن واضح بين الوقت الرقمي والأنشطة الواقعية، مع توعية الطفل بكيفية إدارة وقته واستخدام الأجهزة بشكل صحي.
وبذلك يتضح أن قضية إدمان الشاشات ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل مسألة ترتبط بصحة الأجيال القادمة ونمط حياتهم، فهي تمس التركيز والنوم والحركة والعلاقات الاجتماعية في آن واحد، مما يجعل التعامل معها مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع.
التعليقات
رأيُك يُنشر باسمٍ تختاره أنت — بلا تسجيلٍ ولا بريد.