بقلم/ د. مي سعيد عبدالقادر
مدرس بقسم الصحافة والنشر الرقمي – كلية الإعلام وتكنولوجيا الاتصال–جامعة السويس
لم يعد الهاتف المحمول مجرد وسيلة اتصال، ولا أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مجرد أدوات للترفيه أو تبادل المعلومات، بل تحوّلت لدى كثيرين إلى عالم موازٍ يبتلع الوقت والانتباه والمشاعر معًا،وفي ظل هذا التحول المتسارع، برز مصطلح “الإدمان الرقمي” بوصفه واحدًا من أخطر التحديات النفسية والاجتماعية التي تواجه الإنسان المعاصر، خصوصًا فئة الشباب والمراهقين.
ففي كل لحظة تقريبًا، تمتد الأيدي تلقائيًا نحو الهواتف الذكية، ليس لضرورة حقيقية، بل استجابة لاعتياد نفسي متكرر. إشعار صغير، رسالة عابرة، مقطع فيديو قصير، أو تحديث جديد على إحدى المنصات؛ جميعها أصبحت قادرة على جذب الفرد لساعات طويلة دون أن يشعر بمرور الوقت، وهنا تكمن خطورة الإدمان الرقمي، إذ لا يعتمد على مادة مخدرة بالمعنى التقليدي، بل يقوم على التعلق النفسي والسلوكي بالتكنولوجيا وما تمنحه من إشباع فوري ومتكرر.
ويُعرَّف الإدمان الرقمي بأنه الاستخدام المفرط وغير المنضبط للوسائط الرقمية والإنترنت بصورة تؤثر سلبًا على حياة الفرد الاجتماعية أو النفسية أو الأكاديمية أو المهنية. وتظهر أعراضه تدريجيًا، بدءًا من قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات، مرورًا بالشعور بالتوتر عند انقطاع الإنترنت أو نفاد البطارية، وصولًا إلى العزلة الاجتماعية وضعف التركيز واضطرابات النوم.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تتسلل إلى الحياة اليومية في صورة “سلوك طبيعي”، فالشخص المدمن رقميًا قد لا يدرك أصلًا أنه يعاني مشكلة، لأنه يرى الجميع من حوله يفعلون الشيء ذاته،وهنا يصبح المجتمع بأكمله مهددًا بحالة من “الاعتياد الجماعي” على الانشغال الدائم بالشاشات، حتى في اللقاءات العائلية أو المناسبات الاجتماعية أو أثناء الدراسة والعمل.
وتشير العديد من الدراسات الحديثة إلى أن الاستخدام المفرط لمواقع التواصل الاجتماعي يرتبط بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب والشعور بالوحدة، خاصة لدى المراهقين، كما يؤدي الإفراط في التعرض للمحتوى الرقمي السريع إلى تراجع القدرة على التركيز العميق، واعتياد العقل على الاستجابة الفورية والمحفزات السريعة، وهو ما ينعكس سلبًا على التحصيل الدراسي والإبداع والتفكير النقدي.
ومن الناحية الاجتماعية، ساهم الإدمان الرقمي في إعادة تشكيل طبيعة العلاقات الإنسانية، فرغم أن التكنولوجيا قرّبت المسافات جغرافيًا، فإنها في كثير من الأحيان أبعدت الناس عاطفيًا ونفسيًا. فأصبحت المحادثات الحقيقية أقل، والروابط الأسرية أضعف، بينما حلّت التفاعلات الافتراضية محل التواصل الإنساني المباشر.
أما الأطفال، فهم الفئة الأكثر هشاشة أمام هذا الخطر. فالتعرض المبكر والمكثف للأجهزة الذكية قد يؤثر على النمو اللغوي والسلوكي والاجتماعي، ويقلل من فرص التفاعل الواقعي واكتساب المهارات الحياتية الطبيعية. لذلك يحذر خبراء التربية وعلم النفس من ترك الأطفال لساعات طويلة أمام الشاشات دون رقابة أو توجيه.
ولا يمكن تحميل التكنولوجيا وحدها مسؤولية هذه الأزمة؛ فالمشكلة الحقيقية تكمن في طريقة الاستخدام، وفي غياب الوعي الرقمي القادر على تحقيق التوازن بين العالم الافتراضي والحياة الواقعية، فالتكنولوجيا في جوهرها أداة يمكن أن تكون وسيلة للتعلم والإبداع والتواصل، لكنها تتحول إلى عبء حين تسيطر على الإنسان بدلًا من أن يسيطر هو عليها.
ومن هنا تبرز أهمية دور المؤسسات التعليمية والإعلامية في نشر ثقافة “الاستخدام الرشيد للتكنولوجيا”، عبر التوعية بمخاطر الإدمان الرقمي، وتشجيع الأنشطة الاجتماعية والثقافية والرياضية، وتعزيز مهارات إدارة الوقت والانضباط الذاتي لدى الشباب، كما يقع على الأسرة دور محوري في بناء علاقة صحية بين الأبناء والتكنولوجيا، من خلال وضع قواعد واضحة لاستخدام الأجهزة الإلكترونية، وتخصيص أوقات للحوار والتفاعل الأسري بعيدًا عن الهواتف والشاشات.
إن الإدمان الرقمي ليس مجرد ظاهرة عابرة فرضها التطور التكنولوجي، بل قضية إنسانية وثقافية تمس طبيعة الحياة الحديثة نفسها، فكلما ازداد الإنسان اتصالًا بالعالم الرقمي، أصبح أكثر احتياجًا لاستعادة توازنه النفسي والاجتماعي في العالم الواقعي.
وفي النهاية، تبقى المعادلة الأصعب هي: كيف نستفيد من التكنولوجيا دون أن نفقد أنفسنا داخلها؟ فالتحدي الحقيقي في العصر الرقمي ليس الوصول إلى الإنترنت، بل القدرة على الانفصال عنه في الوقت المناسب.
التعليقات
رأيُك يُنشر باسمٍ تختاره أنت — بلا تسجيلٍ ولا بريد.